المقريزي

77

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ولأميركم مائة دينار ، ولخليفتكم ألف دينار ، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام « 1 » لكم به . فقال عبادة بن الصامت : يا هذا لا تغرنّ نفسك ، ولا أصحابك أمّا ما تخوّفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم ، وأنا لا نقوى عليهم ، فلعمري ما هذا بالذي تخوّفنا به ، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه ، وإن كان ما قلتم حقا ، فذلك واللّه أرغب ما يكون في قتالهم ، وأشدّ لحرصنا عليهم لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه ، إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته ، وما شيء أقرّ لأعيننا ، ولا أحب لنا من ذلك ، وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين : إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم ، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا ، ولأنها أحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا ، وإن اللّه عز وجلّ قال لنا في كتابه : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة / 249 ] . وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة ، وأن لا يردّه إلى بلده ، ولا إلى أرضه ، ولا إلى أهله وولده ، وليس لأحد منا همّ فيمات خلفه ، وقد استودع كل واحد منا ربّه أهله وولده ، وإنما همنا ما أمامنا ، وأما قولك : إنا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا ، فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا ، ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه ، فانظر الذي تريد فيه فبينه لنا ، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ، ولا نجيبك إليها إلّا خصلة من ثلاث ، فاختر أيتها شئت ، ولا تطمع نفسك في الباطل ، بذلك أمرني الأمير ، وبها أمره أمير المؤمنين وهو عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قبل « 2 » إلينا ، إما إن أجبتم « 3 » إلى الإسلام الذي هو الدين القيم الذي لا يقبل اللّه غيره ، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته ، أمرنا اللّه تعالى أن نقاتل من خالفه ، ورغب عنه حتى يدخل فيه ، فإن فعل كان له ما لنا ، وعليه ما علينا ، وكان أخانا في دين اللّه ، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك ، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ، ورجعنا عن قتالكم ، ولم نستحل أذاكم ، ولا التعرّض لكم ، وإن أبيتم إلّا الجزية ، فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، وأن نعاملكم على شيء نرضى به نحن ، وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا ، وبقيتم ونقاتل عنكم من ناواكم ، وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم ، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمتنا ، وكان لكم به عهد علينا ، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلّا المحاكمة بالسيف ، حتى نموت من آخرنا أو نصيب ما نريد منكم ، هذا ديننا الذي ندين اللّه تعالى به ، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره ، فانظروا لأنفسكم . فقال المقوقس : هذا ما لا يكون أبدا ما تريدون إلّا أن تتخذونا عبيدا ما كانت الدنيا .

--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة ج 1 / 19 : ما لا قوه لكم . ( 2 ) في النجوم الزاهرة : من قبله إلينا . ( 3 ) في النجوم الزاهرة : أما إجابتكم .